الجاحظ

325

الحيوان

فأمّا الدّهريّة فمنكرة للشياطين والجنّ والملائكة والرّؤيا والرّقى ، وهم يرون أنّ أمرهم لا يتمّ لهم إلّا بمشاركة أصحاب الجهالات . وقد نجد الرجل ينقف شحم الحنظل « 1 » ، وبينه وبين صاحبه مسافة صالحة ، فيجد في حلقه مرارة الحنظل ، وكذلك السّوس إذا عولج به وبينه وبين الإنسان مسافة متوسّطة البعد ، يجد في حلقه حلاوة السوس . وناقف الحنظل لا تزال عينه تهمل ما دام ينقفه ، ولذلك قال ابن حذام ، قال أبو عبيدة : وهو الذي يقول : [ من الطويل ] كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا * لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل « 2 » يخبر عن بكائه ، ويصف درور دمعته في إثر الحمول ، فشبّه نفسه بناقف الحنظل ، وقد ذكره امرؤ القيس في قوله : [ من الكامل ] عوجا على الطّلل القديم لعلّنا * نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام « 3 » ويزعمون أنّه أوّل من بكى في الدّيار . وقد نجد الرّجل يقطع البصل ، أو يوخف الخردل « 4 » فتدمع عيناه . وينظر الإنسان فيديم النّظر في العين المحمرة فتعتري عينه حمرة . والعرب تقول : « لهو أعدى من الثّؤباء ! » « 5 » ، كما تقول : « لهو أعدى من الجرب ! » « 6 » ، وذلك أنّ من تثاءب مرارا ، وهو تجاه عين إنسان ، اعترى ذلك الإنسان التثاؤب . ورأيت ناسا من الأطباء وهم فلاسفة المتكلّمين ، منهم معمر ، ومحمد بن الجهم ، وإبراهيم بن السّنديّ ، يكرهون دنوّ الطامث « 7 » من إناء اللبن لتسوطه « 8 » أو تعالج منه شيئا ، فكأنّهم يرون أنّ لبدنها ما دام ذلك العرض يعرض لها ، رائحة لها حدّة وبخار غليظ ، يكون لذلك المسوط مفسدا .

--> ( 1 ) شحم الحنظل : ما في جوفه سوى حبه . ( 2 ) البيت لامرئ القيس من معلقته في ديوانه 9 . نقف الحنظل : شق الحنظل عن الهبيد ، والهبيد : حب الحنظل . ( 3 ) ديوان امرئ القيس 114 ، واللسان والتاج ( خذم ) ، وجمهرة اللغة . 58 ، والخزانة 4 / 376 ، وشرح المفصل 8 / 79 . ( 4 ) أوخفه : صب عليه الماء . ( 5 ) المثل في المستقصى 1 / 237 ، وجمهرة الأمثال 2 / 67 ، ومجمع الأمثال 2 / 45 . ( 6 ) المثل في المستقصى 1 / 237 ، وجمهرة الأمثال 2 / 67 ، ومجمع الأمثال 2 / 45 . ( 7 ) الطامث : الحائض . ( 8 ) ساط : خلط ومزج .